أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
503
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : فيه خمسة أوجه : أحدهما : - وهو الظاهر ؛ أنّ « مِنَ » متعلقة بقوله « أَخَذْنا » والتقدير الصحيح فيه أن يقال : تقديره : « وأخذنا من الذين قالوا : إنّا نصارى ميثاقهم » فتوقع « الَّذِينَ » بعد « أَخَذْنا » ، وتؤخّر عنه « مِيثاقَهُمْ » ، ولا يجوز أن تقدّر « وأخذنا ميثاقهم من الذين » فتقدم « مِيثاقَهُمْ » على « الَّذِينَ قالُوا » ، وإن كان ذلك جائزا من حيث كونهما مفعولين ، كلّ منهما جائز التقديم والتأخير ، لأنه يلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، وهو لا يجوز إلا في مواضع محصورة ، نصّ على ذلك جماعة منهم مكي وأبو البقاء . الثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوف قامت صفته مقامه ، والتقدير : « ومن الذين قالوا إنّا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم » ، فالضمير في « مِيثاقَهُمْ » يعود على ذلك المحذوف . والثالث : أنه خبر مقدم أيضا ، ولكن قدّروا المبتدأ موصولا حذف وبقيت صلته ، والتقدير : « ومن الذين قالوا : إنّا نصارى من أخذنا ميثاقهم » ، فالضمير في « مِيثاقَهُمْ » عائد على « مِنَ » ، والكوفيون يجيزون حذف الموصول ، وقد تقدم لنا معهم البحث في ذلك . ونقل مكي مذهب الكوفيين هذا ، وقدّره عندهم : « ومن الذين قالوا : إنّا نصارى من أخذنا » ، وهذا التقدير لا يؤخذ منه أن المحذوف موصول فقط ، بل يجوز أن تكون « من » المقدرة نكرة موصوفة حذفت وبقيت صفتها ، فيكون كالمذهب الأول . الرابع : أن تتعلّق « من » ب « أَخَذْنا » كالوجه الأول ، إلا أنه لا يلزم فيه ذلك التقدير ، وهو أن توقع « مِنَ الَّذِينَ » « أَخَذْنا » ، وقبل « مِيثاقَهُمْ » ، بل يجوز أن يكون التقدير على العكس ، بمعنى أنّ الضمير في « مِيثاقَهُمْ » يعود على بني إسرائيل ، ويكون المصدر من قوله « مِيثاقَهُمْ » مصدرا تشبيهيا ، والتقدير : وأخذنا من النصارى ميثاقا مثل ميثاق بني إسرائيل ، كقولك : « أخذت من زيد ميثاق عمرو » أي : ميثاقا مثل ميثاق عمرو ، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري فإنه قال : « أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى أي : مثل ميثاقهم بالإيمان باللّه والرسل . الخامس : أنّ « مِنَ الَّذِينَ » معطوف على « مِنْهُمْ » من قوله تعالى : « وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ أي : من اليهود ، والمعنى : ولا تزال تطّلع على خائنة من اليهود ومن الذين قالوا إنّا نصارى ، ويكون قوله : « أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ » على هذا مستأنفا . وهذا ينبغي ألّا يجوز لوجهين : أحدهما : الفصل غير المغتفر . والثاني : أنه تهيئة للعامل في شيء وقطعه عنه ، وهو لا يجوز . قوله : بَيْنَهُمُ فيه وجهان :